محمد طاهر الكردي

230

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

مكة بهم وبغيرهم من قبائل العرب ، لكن كانوا يسكنون خارج مكة في أوديتها وشعابها تعظيما لبيت اللّه الحرام ، فلم يكن في وسط مكة شيء من البيوت مطلقا إلّا البيت الحرام إلى أن كان زمن قصيّ كما سيأتي . يقول الأستاذ عبد الوهاب النجار في كتابه « قصص الأنبياء » ولم يبن بمكة شيء ، بعد البيت ، إلّا في القرن الثاني قبل الإسلام ، في عهد قصيّ بن كلاب ، فإنه بنى دار الندوة ، وتبعته قريش تبني حول المسجد ، وكان المسجد ساحة فبنوا حوله ، وذلك من نحو خمسين ومائة سنة قبل الإسلام . انتهى كلامه . ولقد كانت القبائل ، من جرهم والعمالقة وخزاعة وقريش وغيرهم ، يسكنون بشعاب مكة ويقطعون بظاهرها ، ولا يقيمون بها إلا نهارا ولا يدخلونها على جنابة ، فإذا أمسوا خرجوا إلى الحلّ ، ويتركون حول الكعبة بدون بنيان ، احتراما لها وتعظيما لشأنها ، فلا يجترئ أحد أن يبني بجوارها دارا ولا جدارا . فلما آل الأمر إلى قصيّ بن كلاب ، الذي كان قبل الهجرة بنحو مائة وثلاثين سنة ، جمع قومه ، بطون قريش ، وأمرهم أن بينوا حول الكعبة بيوتا من جهاتها الأربع ، وقال لهم : إن سكنتم حول الكعبة هابتكم الناس ولم تستحل قتالكم والهجوم عليكم ، فبدأ هو أولا ببناء دار الندوة في الجانب الشمالي للكعبة ، وهو فسحة باب الزيادة ، فكانت دار الندوة أول دار بنيت بمكة قبل الإسلام بنحو قرن ونصف . ثم قسّم قصيّ باقي الجهات ، بين قبائل قريش ، فبنوا بيوتهم حولها ، فكان ذلك أول بدء البنيان حول الكعبة ، فكل من بنى بيتا من قبائل قريش حول الكعبة سمي : « قريش البواطن » وكانوا يبنون بيوتهم مدورّة الشكل تعظيما للكعبة . فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير ، وعندئذ قالت قريش : « ربّع حميد بيتا إما حياة وإما موتا » أي تخّوفوا عليه من الانتقام الإلهي ، حيث خالف عادة العرب ، فبنى بيتا مربعا فأشبه تربيع الكعبة ، قال الأزرقي : كانت دار حميد بن زهير اللاصقة في ظهر الكعبة ، كانت تفيء على الكعبة بالعشي ، وتفيء عليها بالبكر . اه . ولقد ذكر بعضهم أن أول دار بنيت بمكة هي دار العجلة . فهذا وهم منهم لا أصل له مطلقا ، وهم نقلوه عن غيرهم بدون تأمل وبحث ، فالأصح أن دار الندوة هي أول دار بنيت بمكة ، في عهد قصيّ بن كلاب ، قبل الإسلام بنحو مائة وخمسين سنة ، وهذا مما لا شك فيه لدى المتأمل .